عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
699
معارج التفكر ودقائق التدبر
الإسراف : الغلوّ في تجاوز الحدود المحتملة من أخطاء النّاس وخطاياهم ، في تصرّفاتهم الإراديّة . فالمعنى : أنترككم في غواياتكم ، فنصرف عنكم تبليغ آيات الذّكر الحكيم والتّذكير بها بعنف وقوّة ، إعراضا عنكم ويأسا من استجابتكم لدعوة الحقّ عن طريق إرادتكم الحرّة ، لأنّكم كنتم قوما مسرفين ، ذوي غلوّ في المكابرة بالباطل والعناد ، ورفض دعوة الحقّ ، وهو ما ظهر منكم في تجربات كثيرات في مسيرة دعوة رسولنا بينكم ، وهذا يتضمّن إنذارهم باستحقاقهم عذاب الاستئصال . وروعي في القراءة الأخرى من لم يصلوا بعد إلى دركة الإسراف والغلوّ في رفض دعوة الحقّ ، فجاءت فيها العبارة باستعمال « إن » الشّرطيّة الّتي تدخل على غير المتحقّق وقوعه مستقبلا . فالمعنى على هذه القراءة : أنترككم فنصرف عنكم تبليغ آيات الذّكر الحكيم ، والتّذكير بها بعنف وقوّة ، إعراضا عنكم ، إن كنتم في واقع حالكم قوما مسرفين . أي : احذروا أن تصلوا إلى هذه الدّركة ، لئلّا نترككم في غواياتكم فنصرف عنكم تبليغ آيات الذّكر الحكيم ، والتّذكير بها بعنف وقوّة إعراضا عنكم ويأسا من استجاباتكم لدعوة الحقّ ، وفي هذا إنذار ضمني باستحقاق الغلاة المسرفين عذابا معجّلا وإهلاكا مستأصلا . وهذا العذاب المعجّل والإهلاك باستئصال ، مشابه لإهلاك الأمم الكافرة المسرفة في كفرها وعنادها الّتي أهلكها ربّكم من قبلكم . قول اللّه تعالى يقدّم مثلا من المهلكين السّابقين . [ سورة الزخرف ( 43 ) : الآيات 6 إلى 8 ] وَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ ( 6 ) وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ( 7 ) فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ ( 8 ) :